جمال الدين بن نباتة المصري
305
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ووقف عليه بعض المجّان وهو ينشد شعرا له ، فقال : يا بشّار ، أستر شعرك كما تستر عورتك ؛ فغضب بشّار وصفّق بيديه ، وتفل عن يمينه ويساره - وكان يفعل ذلك إذا غضب - وأراد أن يقول هجاء ، ثم قال : ويلك ! من أنت ؟ فقال : أنا [ أعزّك اللّه ] « 1 » من باهلة « 2 » ، وأخوالي من سلول ، وأصهارى من عكّ ، ومنزلي نهر بلال . فضحك بشّار ، وقال : اذهب فأنت عتيق لؤمك ! وحكى أبو عبيدة ، قال : كان حمّاد عجرد يتّهم بالزندقة ، وكان يعيّر بشارا بقبح خلقته ، فلما قال فيه : واللّه ما الخنزير في نتنه * بربعه في النّتن أو خمسه بل وجهه أحسن من وجهه * ونفسه أفضل من نفسه فقال بشّار : ويلي على الزّنديق ! لقد نفث بما في صدره ، قيل : وكيف ؟ قال : ما أراد الزنديق إلا قول اللّه تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ « 3 » ؛ فأخرج الجحود بها مخرج الهجاء . وهذا خبث شديد من بشّار وتغلغل . وقد وقع بشّار أيضا في مثل هذه الوقعة ، حدّث السّرىّ بن الصبّاح ، قال : دخلت على بشّار بالبصرة ، فقال : أما إنّى قد أوجعت صاحبكم ، وبلغت منه - يعنى حمّاد عجرد - قلت : بما ذا يا أبا معاذ ؟ فقال : بقولي هذا ، وأنشد يقول : يا ابن نهيا رأسي علىّ ثقيل * واحتمال الرّأسين خطب جليل فادع غيرى إلى عبادة ربّي * ن فإنّى بواحد مشغول فقلت له : قد بلغ حمّادا هذا الشعر ؛ ولكنه يرويه على خلاف هذا ، قال : فما يقول ؟ قلت له : يقول :
--> ( 1 ) من ت . ( 2 ) بعدها في ط : « وإخواني من باهلة » ، ( 3 ) سورة التين 4